عبد الله بن أحمد النسفي
108
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
40 / 16 - 18 قوله : الذي يريكم . أو أخبار مبتدأ محذوف ، ومعنى رفيع الدرجات رافع السماوات بعضها فوق بعض ، أو رافع درجات عباده في الدنيا بالمنزلة ، أو رافع منازلهم في الجنة ، ذو العرش مالك عرشه الذي فوق السماوات خلقه مطافا للملائكة إظهارا لعظمته مع استغنائه في مملكته ، الروح جبريل عليه السّلام ، أو الوحي الذي تحيا به القلوب مِنْ أَمْرِهِ من أجل أمره ، أو بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ أي اللّه ، أو الملقى عليه وهو النبيّ عليه السّلام ويدلّ عليه قراءة يعقوب لتنذر يَوْمَ التَّلاقِ يوم القيامة لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والأولون والآخرون ، التلاقي مكي ويعقوب . 16 - يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ أي من أعمالهم وأحوالهم لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي يقول اللّه تعالى ذلك حين لا أحد يجيبه ، ثم يجيب نفسه بقوله لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أي الذي قهر الخلق بالموت ، وينتصب اليوم بمدلول لمن أي لمن ثبت الملك في هذا اليوم ؟ وقيل ينادي مناد فيقول : لمن الملك اليوم ؟ فيجيبه أهل المحشر : للّه الواحد القهار . 17 - الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لما قرر أنّ الملك للّه وحده في ذلك اليوم عدّد نتائج ذلك وهي أنّ كلّ نفس تجزى بما كسبت عملت في الدنيا من خير وشرّ ، وأنّ الظلم مأمون « 1 » لأنه ليس بظلّام للعبيد ، وأنّ الحساب لا يبطئ ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ، فيحاسب الخلق كلّه في وقت واحد وهو أسرع الحاسبين . 18 - وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ القيامة « 2 » سمّيت بها لأزوفها ، أي لقربها ، ويبدل من يوم الآزفة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ أي التراقي ، يعني ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم ، فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا كاظِمِينَ ممسكين بحناجرهم . من كظم القربة شدّ رأسها ، وهو حال من القلوب محمول على أصحابها ، وإنما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ما لِلظَّالِمِينَ الكافرين مِنْ حَمِيمٍ محبّ مشفق وَلا شَفِيعٍ
--> ( 1 ) زاد في ( ز ) منه . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) أي القيامة .